jeudi 7 avril 2011

حالة استنفار كاملة
هذا ما لاحظته يومها 
كنت قابعا في أحد المقاعد في الحافلة
و كانت تلك المرة الألف التي تتوقف فيها الحافلة لغرض التفتيش
كنا حينها قد ابتعدنا عن مدينة قابس و كانت الساعة تشير إلى ما بعد الحادية عشرة ليلا
في العادة , و في الأيام الخوالي , حين لا تتجاوز نقاط التفتيش أصابع اليد الواحدة , نكون قد وصلنا إلى مدينة جرجيس أو إذا تعطلنا أكثر نكون قد تجاوزنا مدينة مدنين , لكن تلك الليلة لم تكن نهايتها بادية و لا ظلمتها منقشعة
دسست بطاقة التعريف الوطنية في جيبي بحركة روتينية بعد أن فحصها الظابط و فحص ملامح وجهي
رميت بثقل جسدي على الكرسي المتآكل مغمضا عيناي باحثا عن القليل من الراحة, لم تمر ربع ساعة حتى استوقفتنا نقطة تفتيش أخرى , و كالعادة أخرجت حافظة أوراقي من جيبي مسلما إياها إلى ظابط الجيش 
كان النوم قد جفاني و كانت أوصالي قد أصابها الوهن  من طول فترة جلوسي, فقررت أن أخرج إلى الخارج لأستنشق بعض نسمات الليل , محاولا الاستفسار عن سبب كل هذا الاستنفار للجيش . ما إن وطئت قدماي الأرض و سرى الهواء البارد من خياشيم أنفي إلى فجوات صدري حتى سمعت صوتا حادا يناديني باسمي , التفت نحو جانبي باحثا عن مصدر النداء مستغربا أن يكون هناك من يعرفني في ذلك المكان القصي, فلم يكن هناك من شخص غير جنود و ضباط الجيش 
اقترب مني شخص اتضح لي من الشارات المعلقة على كتفيه أنه نقيب , ألقى علي التحية و عرف بنفسه, كان ضابطا متخرجا من الأكاديمية العسكرية بتونس. قال لي أني لم أتغير, و أن ملامح و قسمات وجهي بقيت كما هي منذ أن كنت في الأكاديمية أي منذ خمس سنوات, استسمحته عذرا لأني لم أتعرف إليه لطول المدة , و لكثرة الضباط و الجنود الذين تعاملت معهم في فترة قيامي بواجبي الوطني, و سألته عن سبب كل ذلك الاستنفار و عما كانوا يبحثون عنه
فأجابني بأن هناك عناصر مسلحة من القاعدة قد تمكنوا من الدخول إلى البلاد و أن هناك معارك جارية معهم في الشمال (حمام الأنف ) و أنهم بصدد  البحث عن بعض الفارين منهم. كان مستعجلا في حديثه و كانت عيناه تحومان وراء كتفاي مراقبا الطريق المرسومة ورائي, أعطاني رقم هاتفه طالبا مني أن أتصل به في الصباح بعد انتهاء نوبته ثم افترقنا
وصلت إلى منزلي في جرجيس , فتحت شاشة التلفاز و تنقلت من قناة إلى قناة باحثا عن تأكيد لمثل هذا الخبر الخطير, لكن كالعادة كانت قنواتنا تتحدث عن الانجازات و التحديات و الأمن و الأمان و قيم التسامح و التضامن و ما إلى ذلك من تلك المعزوفة المجروحة التي أجزم أن كل تونسي قد حفضها عن ظهر قلب
شعرت بظمئ حاد و حاجة ملحة لمعرفة الحقيقة
حقيقة ما يجري في البلاد
فتحت الحاسوب 
فتحت محرك البحث قوقل 
(google)
و كلي أمل في أن أشفي غليلي ,جبت المواقع طولا و عرضا , أبحرت و غصت في عوالم المعلوماتية باحثا عن ضالتي , عن  جهة تأكد أو تنفي لكن بلا فائدة و لا جدوى فكل المصادر الموثوق بها كانت موصدة أبوابها مغلقة أقفالها و كان عمار 404 يحمل باقة مفاتيحها
غلبني اليأس و استشطت غضبا
غضبت من اعلام بلدي الذي يهتم بالقطط و السمك في بلاد الوقواق و لايلقي بالا عن ما يحدث في البلاد و ما يعانيه العباد 
و كان ألمي أشد لتعمد أطراف طمس الحقيقة و تجفيف منابعها و مصادرها
كنت أحارب النوم  و اليأس في رحلة البحث عن الحقيقة و كدت أستسلم لهما لولا أن تراءى لي في الأفق شعاع من نور, نور الحقيقة
كان موقعا أو لنقل صفحة لم تطلها أيادي المخربين بعد(عمار 404) , كانت لأحد المدونين التونسيين الغيورين على بلادهم, الباحثين عن الحقيقة
كان مثلي متسائلا متأملا متألما باحثا حزينا لما آلت له البلاد من تعتيم و تغييب للحقائق , و كانت من جملة ما عرض على صفحته فيديو لدبابة تطلق النار على أهداف لم تكن بادية
كان الفيديو من تصوير أحد الهواة , و كان صوت المصور الفازع طاغيا على كل الأصوات , و كان في الخلفية صوت كثيف لإطلاق نار لما بدى لي أسلحة   ثقيلة , كانت معركة حامية الوطيس بين الجيش و عناصر مسلحة لم تعلن جهتها و انتماءها حتى تلك اللحظة
أغلقت الحاسوب و ألف سؤال و سؤال يداعب ذهني . و ألف سيناريو و سيناريو يدغدغ مخيلتي
من يكونون
كيف دخلوا للبلاد
كيف أدخلوا السلاح و العتاد
ما هي أهدافهم
من وراءهم
كيف لم تصلهم أذرع الأمن 
هل هم القاعدة
هل هم مخربون
هل هم مجرمون
أم إنهم  عصابة من مروجي المخدرات
أم هي لعبة شد الأيادي بين الكبار
هل  أتوا من العراق, من أفغانستان أم من الجزائر
هل سيَغلبون 
أم سيُغلبون
لما كل ذلك التعتيم
لما لم ترد أية تعليقات من الجهات الرسمية 
كانت الأسئلة تنهمر على جمجمتي كانهمار المطر على أرض ظمأى
و كنت كلما أمعنت في التفكير , كلما اقتنعت أنني لن أصل إلى إجابة شافية و إيضاح مرض
لم يكن لدي  من حل سوى أن أغم على وجهي بالغطاء و أتدثر بالبطانية كي أقي نفسي برد شتاء ديسمبر 2006 و كي أقي نفسي جنون حب المعرفة
مضت أيام و شهور منذ تلك الحادثة و قد كان يقين معظم التونسيين أن مدبريها كانوا من القاعدة و أنهم أرادوا تلقين النظام درسا لا ينسى انتقاما منهم لعدائهم للإسلام و المسلمين
أما أنا فقد كانت قناعتي أن الأمن الذي كان الركيزة الأساسية لنظام بن علي من 1987 و القبضة الحديدية له , لم تكن غير فزاعة من ورق ترنحت و تعرت عورتها مع أول اختبار حقيقي لجدواها